منتدي هندسة النيلين
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

منتدي هندسة النيلين

تراقصت الطيور بحضورك وأنشدت بأصواتها أجمل ألوان الترحيب ورقصت الغزلان على تلك الحقول وتساقط من السماء أمطار التحية والياسمين فرحا بقدومك فأهلا وسهلا بك عبر حدائق المنتدى متمنين لك قضاء وقتا ممتعا وان شاء الله تفيدينا وتستفيد منا • `•.¸
 
الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول

 

 الصحابة والجنة

اذهب الى الأسفل 
2 مشترك
كاتب الموضوعرسالة
الصياد




عدد الرسائل : 2
تاريخ التسجيل : 09/05/2009

الصحابة والجنة Empty
مُساهمةموضوع: الصحابة والجنة   الصحابة والجنة I_icon_minitimeالإثنين مايو 11, 2009 6:42 am

الاثنين 11 مايو 2009 16 جمادى أول 1430
الصحابة والجنة
مقدمة
الصحابة والجنة
تحدثنا في الفصل السابق عن الصحابة والدنيا، والآن نتحدث عن الصحابة والآخرة، الصحابة والجنة.
في الحقيقة، هذه نقطة محورية في بناء الفرد المسلم، والمجتمع المسلم، والأمة الإسلامية بكاملها.
كيف فهم الصحابة حقيقة الجنة؟
وكيف كان تعاملهم مع هذه القضية؟
إننا عندما ندرس حياة الصحابة نجد أن تفاعلهم مع قضية الجنة يختلف كثيرًا عن تفاعل معظم اللاحقين بعد ذلك مع هذه القضية، اختلافًا ضخمًا للغاية، وأعتقد أن هذا الاختلاف كان سببًا رئيسا من الأسباب التي جعلت جيل الصحابة يصل إلى ما وصل إليه من هذه الدرجة السامية الرفيعة من الأخلاق، ومن الاعتقاد في الله عز وجل، ومن العمل في سبيل الله عز وجل، فكانت الجنة هي النقطة المحورية في حياة كل صحابي.
كثير من العلماء الكبار، والدعاة الأفاضل، عندما يتحدثون عن الجنة تشعر في كلامهم، وكأنهم يتحدثون عن شيءٍ نظري، ولا تشعر في كلامهم بالأحاسيس التي كان يعيشها الصحابي، ويستشعرها عند حديثه، أو سماعه عن الجنة.
فالصحابي، وإن كان بسيطًا في عمله، أو قليلًا في معلوماته، إلا أنه عندما كان يعرف معلومةً واحدة عن الجنة يظل يتعايش معها إلى أن يلقى الله، حتى، ولو كان أعرابيًا بسيطًا، حتى ولو لم تكن لغته من القوة، كلغة كبار الصحابة، لكنه- سبحان الله- كان يتأثر بالجنة تأثرًا قويًا.
أنا أعتقد أن هذا الأمر يُعدّ فارقًا جوهريًا، لذا أتمنى أن ينتبه كل قارئ لهذه الكلمات، وأن يعيش مع هذه المعاني، ويتعايش معها معايشة الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
الجنة في عين الصحابة
إننا حين تصبح الآخرة في أعيننا كما كانت في أعين الصحابة رضي الله عنهم، ستتغير بلا شك مناهجنا في الحياة، وسنفكر بطريقة أخرى غير الطريقة التي نفكر بها، وسنرتّب أولوياتنا بطريقة أخرى، سنشعر بالسعادة بطريقة مختلفة، ولأشياء ليست كالتي نسعد لها الآن، وسنحزن أيضًا بطريقة مختلفة، وعلى أشياء ليست كالأشياء التي نحزن عليها الآن.
وأتساءل:
كم منا يحزن إذا فاتته تكبيرة الإحرام في المسجد حزنًا يقعده في الفراش كما كان يحدث مع بعض الصحابة رضي الله عنهم؟
كم منا يحزن إذا فاته قيام الليل؟
بل أتساءل:
كم منا يحزن إذا فاتته صلاة الفجر التي هي أحد الفروض؟
وظلّ لأجل هذا حزينًا طوال اليوم لأن صلاةً مفروضةً عليه قد فاتته، ولم يصلّها في وقتها؟
كم تحزن إن وجدت صديقًا لك بعيدًا عن الله، لم يهده الله بعد، وأنت تحبه كثيرًا، وتراه ضالًا عن الطريق، فهل تحزن عليه حزنًا حقيقيًا أم أن هذا الأمر لا يعنيك كسائر الناس؟
كم منا يحزن إذا فاتته معركة، أو فاته جهاد في سبيل الله؟
هل من يأخذ إعفاء من الجيش يقابل هذا الأمر بالحزن أم يقابله بالفرح؟
كم منا يحزن على فلسطين، وعلى العراق، وعلى كشمير، وعلى الشيشان، وعلى الصومال، وعلى السودان، وعلى غيرها؟
إننا لو استشعرنا جيدًا معنى الجنة والنار كما كان يفعل صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، لتغير كل شيءٍ في حياتنا تغيرًا شاملًا، وكاملًا، وتغيرت منظومة حياتنا بأكملها.تعالوا بنا نرى كيف كان الصحابة رضوان الله عليهم يفكرون في الجنة؟
كيف كانوا يعيشون في الجنة، وهم ما زالوا على الأرض؟
تعالوا لنرى ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه وأرضاه، وهذا الموقف يهزني من الأعماق كلما قرأته أو سمعته، وأقف مذهولًا أمام هذا العملاق ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه وأرضاه، مع أن الكثير منا لا يسمع عن هذا الصحابي الجليل.
ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه
خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، شاب صغير في السن لا يتجاوز الثامنة عشر من العمر، وهو من أهل الصفّة.
فهو رضي الله عنه وأرضاه شاب صغير، خبرته في الحياة ليست طويلة، ليس كأبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو عليّ، وليس من كبار الصحابة الذين نسمع عنهم كثيرًا، بل هو من عوام الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
ومع هذا أيضًا فهو من أهل الصفة، أي أنه من الفقراء المعدمين الذين لا مأوى لهم إلا المسجد، فهم مقيمون في المسجد، وينفق عليهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة، فهو فقير للغاية، لا يجد ما يأكله أو ما يشربه في يومه وليلته، فضلًا عن أن يوفر يومًا أو يومين أو ثلاثة، وبالطبع فهو ليس متزوجًا ولا يملك بيتًا.
فلو أنك في مثل هذه الظروف والأحوال، ماذا كنت تتمنى؟
تخيّل كم من الأحلام، والآمال، والأمنيات من الممكن أن تكون عند هذا الإنسان؟
تخيل هذا جيدًا، وتعالى معي لنطالع هذه القصة التي جاءت في صحيح مسلم وعند الإمام أحمد رحمهم الله جميعًا، يحكي ربيعة بن كعب الأسلمي عن نفسه فيقول:
كُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقُومُ لَهُ فِي حَوَائِجِهِ نَهَارِي أَجْمَعَ، حَتَّى يُصَلِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، فَأَجْلِسَ بِبَابِهِ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ.
فهو رضي الله عنه طوال اليوم يعمل في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء دخل بيته، فاليوم في الدينة المنورة ينتهي مع صلاة العشاء، والكل ينام في هذا الوقت؛ ليبدأ اليوم الجديد بصورته الطبيعية بقيام الليل، ثم صلاة الفجر، وهكذا، ولكنه رضي الله عنه كان يجلس بعد العشاء بباب النبي صلى الله عليه وسلم، لماذا؟
أَقُولُ لَعَلَّهَا أَنْ تَحْدُثَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَةٌ.
فهو رضي الله عنه وأرضاه يتفاني في خدمة النبي صلى الله عليه وسلم، يقول ربيعة:
فَمَا أَزَالُ أَسْمَعُهُ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، حَتَّى أَمَلَّ، فَأَرْجِعَ، أَوْ تَغْلِبَنِي عَيْنِي، فَأَرْقُدَ.
يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ذكرٍ دائمٍ لله عز وجل، ويظل ربيعة رضي الله عنه يسمع النبي صلى الله عليه وسلم، وبصورة مستمرة حتى يملّ، أو يرقد مكانه، إذا غلبه النعاس، وعندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم هذا التفاني منه في خدمته قال له كلمةً تدلّ على مدى إعجاب النبي صلى الله عليه وسلم به، قَالَ- أي ربيعة-:
فَقَالَ لِي يَوْمًا لِمَا يَرَى مِنْ خِفَّتِي لَهُ، وَخِدْمَتِي إِيَّاهُ:
سَلْنِي يَا رَبِيعَةُ أُعْطِكَ.
تخيل نفسك في موقف ربيعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو رئيس المدينة المنورة، ورئيس الدولة، بل هو فوق هذا كله رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول له:
سَلْنِي يَا رَبِيعَةُ أُعْطِكَ.
هكذا يقول، وربيعة رضي الله عنه فقير جدًا، وفي أمسّ الحاجة إلى أي شيءٍ من الدنيا، فهو لا يجد بيتًا يأويه ولا يجد ما يتزوج به، بل لا يجد ما يأكله، أو يشربه، أو يلبسه، وهو في هذا الحال يجد من يقول له:
سَلْنِي يَا رَبِيعَةُ أُعْطِكَ.
وليس أي أحد، إنه الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، ويستطيع أن يلبي له طلبه، وأن يأتي له بكل ما يريده، وتعالوا بنا نرى ما هو ردّ فعل سيدنا ربيعة أمام هذا العرض المغري جدًا من الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول ربيعة:
فَقُلْتُ: أَنْظُرُ فِي أَمْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ أُعْلِمُكَ ذَلِكَ.
تصور حال ربيعة بن كعب من ناحية الإمكانيات المادية، ومن ناحية الوضع الاجتماعي في المدينة المنورة، لنرى كيف يفكر هذا الرجل، قَالَ:
فَفَكَّرْتُ فِي نَفْسِي، فَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ زَائِلَةٌ، وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقًا سَيَكْفِينِي، وَيَأْتِينِي، قَالَ: فَقُلْتُ:
أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِآخِرَتِي، فَإِنَّهُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي هُوَ بِهِ.
فربيعة رضي الله عنه وأرضاه مع صغر سنه، إلا أنه يفهم حقيقة الدنيا جيدًا، ويعلم أن ما كتبه الله عزّ وجل له من الدنيا من مأكل، أو مشرب، أو مسكن، أو زوجة، أوغير ذلك، فهو لا بدّ آتيه، فلماذ لا يسأل الرسولَ صلى الله عليه وسلم ما هو صعب على كل مؤمن، ومؤمنة من أمور الآخرة، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقَالَ:
مَا فَعَلْتَ يَا رَبِيعَةُ؟
قَالَ: فَقُلْتُ:
نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَسْأَلُكَ أَنْ تَشْفَعَ لِي إِلَى رَبِّكَ، فَيُعْتِقَنِي مِنَ النَّارِ.
وفي رواية مسلم:
أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ.
إنه رضي الله عنه يعرف من أين تُؤكل الكتف، فهو رضي الله عنه لا يريد الجنة فحسب، بل يريد الفردوس الأعلى، بل يريد مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في أعلى درجة في الجنة، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم انبهر بهذا الكلام الرائع، أي ورع هذا، وأي تقوى هذه، وأي صلاح، وأي فقه اتّسم به هذا الشاب الصغير، قَالَ: فَقَالَ:
مَنْ أَمَرَكَ بِهَذَا يَا رَبِيعَةُ؟
قَالَ: فَقُلْتُ:
لَا وَاللَّهِ الَّذِي بَعَثَكِ بِالْحَقِّ مَا أَمَرَنِي بِهِ أَحَدٌ، وَلَكِنَّكَ لَمَّا قُلْتَ: سَلْنِي أُعْطِكَ. وَكُنْتَ مِنْ اللَّهِ بِالْمَنْزِلِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ، نَظَرْتُ فِي أَمْرِي، وَعَرَفْتُ أَنَّ الدُّنْيَا مُنْقَطِعَةٌ، وَزَائِلَةٌ وَأَنَّ لِي فِيهَا رِزْقًا سَيَأْتِينِي، فَقُلْتُ أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِآخِرَتِي.
قَالَ: فَصَمَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوِيلًا.
يفكر صلى الله عليه وسلم في هذا الكلام العظيم الذي نطق به هذا الشاب الصغير الذي لم يصل بعد إلى العشرين من عمره.
ثُمَّ قَالَ لِي:
إِنِّي فَاعِلٌ.
ما أسعدك إذن يا ربيعة بهذا الأمر الرائع، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مستجاب الدعاء يدعو لك بمرافقته في الجنة، ولكن لا بد من بذل الجهد أيضًا من جانب ربيعة حتى يحظى بهذه الدرجة العظيمة، فيوجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمر بقوله:
فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ.
وتعالوا بنا نقف مع هذه القصة العظيمة وقفة أخرى.
ماذا لو طلب ربيعة رضي الله عنه مالًا، أو بيتًا، أو زوجةً، أو طعامًا، أهذا حرام؟
وهل لو سألَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم الجنةَ، والمرافقةَ في أعلى الدرجات، والشفاعةَ، والعتقَ من النار، ثم سأل إلى جوار ذلك جزءا من الدنيا الحلال، هل هذا خطأ؟
في الواقع، هذا ليس بخطأ على الإطلاق، لكن ربيعة رضي الله عنه لا يتكلف في طلبه، فالجنة قد ملأت عليه قلبه وحياته بأكملها، فما عاد يفكر إلا فيها.
لو قلت لإنسان مثلا كم تطلب من المال؟
فقال لك: أطلب مليون دولار.
ثم قلت له: وماذا أيضًا؟
فقال لك: وخمسة جنيهات.
ماذا تساوي الخمسة جنيهات بجانب المليون دولار؟
لا شيء.
فكذلك الحال، وبهذا المنطق فكّر ربيعة رضي الله عنه، فهو لا يشغله شيء إذا حصل على هذا الفوز العظيم بالجنة، لا يعنيه أن يكون له بيت أو زوجة أو دابة.
فمنتهى آمال حياته أن يدخل الجنة، وهو لا يفكر في أي شيء آخر، ولا يتكلّف، وهو مشغول بالفعل بأمر الجنة ونعيمها، وما فيها من متاع دائم،
وقد كان كل ما يشغل ربيعة رضي الله عنه هو أن يعيش في خدمة الله عز وجل، وخدمة دينه، ونبيه صلى الله عليه وسلم.
كم منا سمع اسم هذا الصحابي؟
وكم منا يعرف حياته؟
كم مرة سمعنا
[وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] {آل عمران:133} ، لكن عمير بن الحمام الأنصاري رضي الله عنه وأرضاه سمع الكلمات، وتدبر فيها جيدًا، جنة عرضها السموات والأرض، هذا شيء ضخم جدًا، شيء مهول، وكأنه رضي الله عنه يسمع هذا الكلام للمرة الأولى، قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ.
حجم مهول جدًا، وضخم جدًا، فكل ما نراه إنما هو السماء الدنيا، فما بالنا بالسموات السبع، قال صلى الله عليه وسلم كلمةً واحدةً فقط قَالَ:
نَعَمْ.
قَالَ: بَخٍ بَخٍ.
وهي كلمة تطلق لتعظيم الأمر، وتفخيمه في الخير، وقد خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون عمير غير مصدق بهذا الكلام، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخٍ بَخٍ.
قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا.
فلما وجد الرسول صلى الله عليه وسلم الصدق في وجه عمير قَالَ:
فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا.
وهذا ما كان يعيش له عمير، وما كان يتمناه، وما كان يرجوه، وقد علم رضي الله عنه بإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم له أنه من أهل الجنة، ولا يمنعه من دخولها إلا أن يموت ويفارق الدنيا.
فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ- أي الوعاء الذي يحمل فيه الزاد- فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ - لأن عشت دقيقة أو اثنين أو ثلاثة آكل فيها هذه التمرات فهذه حياة طويلة، إنه بالفعل كان يعيش في الجنة، ولم يكن رضي الله عنه ليتكلف هذا الأمر أو هذا الكلام، إنه بالفعل صادق في كل ما يقوله، وهو يعرف أنه بمجرد موته سيكون قبره روضة من رياض الجنة، ثم يكون النعيم الكبير، والدائم في جنة الخلد، قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ.
نال رضي الله عنه الأمنية التي كان يتمناها، في حين نرى الكثير من الناس يتمنى أن يكتب له عمر ثانٍ، ويتمنى أن يعيش السنين الطوال، ويطول الأمل، أما عمير رضي الله عنه، فكان يتمنى صادقًا أن يموت، وقد صدق الله فصدقه الله.
الجنة وبيعة العقبة الأول
في مسند الإمام أحمد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُفْتَرَضَ الْحَرْبُ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِهِ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَأَرْجُلِنَا وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ، هذه ستة شروط، يشترطها النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وهم في بداية إسلامهم،فما هو الثمن إذن، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمْ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَكُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَكُمْ.
ومع كل هذه الشروط الصعبة لم يتخلف أحد منهم عن الوفاء بكل هذه الشروط، ذلك لأن الثمن هو الجنة.
أما بيعة العقبة الثانية، فكانت أصعب من الأولى، ففي مسند الإمام أحمد عن جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ،قال: ... قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَامَ نُبَايِعُكَ؟
قَالَ تُبَايِعُونِي - ونعرض عناصر هذه البيعة بشيءٍ من التفصيل.
أولًا: عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ.
الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم أن هؤلاء الذين يبايعونه هم من تُبني عليهم الأمة، وهم من سيحملون لواء الدعوة، فبيّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم في وضوح تام ما يجب عليهم من تبعات عظيمة أولها: السمع والطاعة.
ليس هذا فحسب، بل السمع والطاعة في النشاط والكسل.
ربما يكون الإنسان متحمسًا للعمل، والدعوة في أثناء نشاطه، واندفاعه، لكن ينبغي السمع والطاعة أيضًا في حال ما إذا كان الإنسان أيضًا في حالة كسل وخمول، ربما يعود الإنسان من عمله مرهقًا، ومتعبًا، ومع هذا، ومن باب السمع والطاعة ينبغي أن يصلي في المسجد جماعة، ربما يكون عندك في بعض الأوقات حميّة للجهاد في سبيل الله، وفي أوقات أخرى ينتابك الفتور، والكسل، وهذا ليس مبررًا لعدم الطاعة، فمن استطاع أن يسمع ويطيع في النشاط والكسل، كان جديرًا بحمل الراية، وعلى هذا ربّى النبي صلى الله عليه وسلم الجيل الأول من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
ثانيًا: وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ.
الإنفاق حال اليسر لا بأس به، أما الإنفاق حال العسر، والحاجة، والفقر، فشيءٌ صعب، لكن النبي صلى الله عليهم وسلم اشترط ذلك عليهم أيضًا.
ثالثُا: وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ.
وهذا الأمر أيضًا من الأمور الصعبة على النفوس.
رابعًا: وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا- وفي رواية: وعلى أن تقوموا- فِي اللَّهِ لَا تَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ.
أيضًا هذا الشرط في منتهى الصعوبة، فكم تكون المواجهة شديدة أمام الدعاة! لكن على كل حال لا يكون هذا مبررًا لأن يقف الدعاة عن العمل لله والدعوة إليه.
خامسًا: وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ يَثْرِبَ، فَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَأَزْوَاجَكُمْ، وَأَبْنَاءَكُمْ.
فهذه هي الشروط الخمسة، في منتهى الصعوبة، وهذا لأن الإسلام دين يحتاج إلى مجهود عظيم، وتضحية كبيرة، يحتاج إلى من يريد أن يدفع لا إلى من يريد أن يأخذ، يحتاج إلى من يريد أن يأخذ أجره في الآخرة فقط، ولا يريد شيئًا من الدنيا.
بعد كل هذه الشروط والصعوبات الكبيرة، ما هو الأجر؟
وما هو المقابل لكل هذا؟
ما هو الثمن إذا صرفنا حياتنا لله؟
وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة واحدة فقط:
وَلَكُمُ الْجَنَّةُ.
الشروط أكثر من أربعين كلمة، والثمن كلمة واحدة: الْجَنَّةُ.
ومع هذا كله، فإن من يفِ بهذه الشروط هو الرابح، وإذا عرفت معنى الجنة وقيمتها لن تستكثر ما تدفع من ثمن مهما قدمت، وستكون بلا شك رابحًا.
يقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ، فَقَالَ:
رُوَيْدًا، يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، إِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمْ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى السُّيُوفِ إِذَا مَسَّتْكُمْ، وَعَلَى قَتْلِ خِيَارِكُمْ، وَعَلَى مُفَارَقَةِ الْعَرَبِ كَافَّةً، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً، فَذَرُوهُ فَهُوَ أَعْذَرُ عِنْدَ اللَّهِ.
قَالُوا: يَا أَسْعَدُ بْنَ زُرَارَةَ، أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ، وَلَا نَسْتَقِيلُهَا. فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا يَأْخُذُ عَلَيْنَا بِشُرْطَةِ الْعَبَّاسِ، وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ الْجَنَّةَ.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Admin
Admin



عدد الرسائل : 5
تاريخ التسجيل : 06/07/2008

الصحابة والجنة Empty
مُساهمةموضوع: رد: الصحابة والجنة   الصحابة والجنة I_icon_minitimeالجمعة مايو 15, 2009 11:56 am

مشكوررررررر يا الصياد bounce lol! Basketball
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://alnilin-engineering.banouta.net
 
الصحابة والجنة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي هندسة النيلين :: المنتدي الاسلامي-
انتقل الى: